أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
306
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الأصوليين : يفيد الحصر على خلاف بينهم في ذلك ، إذا قلت : زيد العالم . والخلاف في قولك : العالم زيد أشهر منه فيما تقدم فيه المبتدأ . الثاني : أن الخبر هو نفس الموصول الثاني وخبره ، فإنّ الموصول الثاني مبتدأ ، والجملة من قوله : « كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ » في محل رفع خبرا له ، وهو وخبره خبر الأول ، و « كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا » إمّا اعتراض ، وأما حال من فاعل « كَذَّبُوا » . الثالث : أن يكون الموصول الثاني خبرا بعد خبر عن الموصول الأول ، والخبر الأول ، الجملة التشبيهية ، كما تقدم . الرابع : أن يكون الموصول بدلا من قوله - قبل - : الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ كأنه قال : وقال الملأ الذين كفروا منهم الذين كذّبوا شعيبا ، وقوله : « لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً » معمول للقول ، فليس بأجنبي . الخامس : أنه صفة له ، أي : للذين كفروا من قومه ، هذه عبارة أبي البقاء ، وتابعه الشيخ عليها . والأحسن أن يقال : بدل من « الْمَلَأُ » أو نعت له ، لأنه هو المحدث عنه ، والموصول صفة له ، والجملة التشبيهية على هذين الوجهين حال من فاعل « كَذَّبُوا » . وأما الموصول الثاني فقد تقدم أنه يجوز أن يكون خبرا باعتبارين ، أعني : كونه أول ، أو ثانيا . ويجوز أن يكون بدلا من فاعل « يَغْنَوْا » ، أو منصوبا بإضمار أعني ، أو مبتدأ وما بعده الخبر ، وهذا هو الظاهر ، لتكون كل جملة مستقلة بنفسها ، وعلى هذا الوجه ذكر الزمخشري أيضا أن الابتداء يفيد الاختصاص ، قال : « أي : هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه » . وقد تقدم موضحا . وقوله : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا يغنون : بمعنى يقيمون ، يقال : غني بالمكان يغنى فيه ، أي : أقام دهرا طويلا . وقيده بعضهم بالإقامة في عيش رغد ، فهو أخص من مطلق الإقامة ، قال الأسود بن يعفر : 2264 - ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظلّ ملك ثابت الأوتاد وقيل : معنى الآية هنا من الغنى الذي هو ضد الفقر ، قاله الزجاج وابن الأنباري ، وتابعهما ابن عطية ، وأنشدوا : 2265 - غنينا زمانا بالتّصعلك والغنى * فكلّا سقاناه بكأسيهما الدّهر « 1 » قالوا : معناه : استغنينا ورضينا » . فمعنى : « كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا » : كأن لم يعيشوا فيها مستغنين ، كذا قاله الزجاج . وقد رد الراغب « غنى » بمعنى الإقامة بالمكان إلى معنى الغنى الذي هو ضد الفقر ، فقال : « وغنى في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنيا به عن غيره » . قوله : فَكَيْفَ آسى .
--> ( 1 ) البيت لحاتم طيء وهو في ديوانه هكذا : . . . * كما الدهر في أيامه العسر واليسر كسينا صروف الدهر لينا وغلظة * . . . انظر ديوانه ( 51 ) ، البحر ( 4 / 346 ) ، روح المعاني ( 9 / 6 ) .